مجلة الحياة للأطفال    هاتف ; 048677619
acfa@zahav.net.il

في مؤخرة بطن النحلة إبرة تغرزها
   

في كُرَتي لونٌ للنَّهْرِ قوسٌ قُزَحِيٌّ في كرتي في كُرَتِي لونُ للَّزهْرِ وشعاعٌ من نورِ الفجرِ

   
 

 
 

جنى أبو خطاب -اللقية

اضافة صور

 
     
الخنساء


 

الخنساء

 

مولدي ونشاتي

أنا تُماضِر بنتُ عمروِ بنِ الحارثِ،

أمَّا الخَنْساءُ فهو لَقَبٌ لُقبتُ بِهِ بِسببِ صِفةٍ لحِقَتْ بأنفي، حيثُ كان متأخِّراً عن الوجْهِ معَ ارتفاعٍ قليلٍ في الأرنبةِ، وهي صفةٌ مُستحبَّةٌ، وأكثرُ ما تكونُ في الظِّباءِ، وبقرِ الوَحشِ.

وُلِدْتُ حوالي سنة 575م،

 وَنَشأتُ في أسْرةٍ ذاتِ نفوذٍ وثروةٍ،

 خَطَبَني، في مطلَعِ شَبابي، الشاعرُ دُريدُ بنُ الصِّمَّة، الذي كان سَيِّداً في بني جُشم، من قبيلةِ هوزان- خطبني من والدي، فرحَّبَ به شَريطَةََ أنْ يستشيرني ويأخذَ رأيي، ولكنَّني رفضتُ ذلك بكلِّ إباءٍ، مُفضِّلةً الزَّواجَ من أبناءِ عمومتي. ثمَّ كان لي أنْ تزوَّجتُ مرَّتين، كانت أولاهما من ابنِ عمي رواحةَ ابن عبد العزَّى السُّلميِّ، وولَدتُ له ابناً هو عبد الله، ثمَّ تزوجتُ من مرادس ابن أبي عامر السُّلميِّ، وولَدتُ له يزيدَ ومعاويةَ وعَمراً، وبنتاً سمَّيتُها عَمرة، وقد اشترك أبنائي في معركةِ القادسيَّةِ.

كانَ لي أخوانِ إثنانِ من ساداتِ بني سُلَيم، هما

: معاويةُ وصخرُ،

وَقَد فَجَعَني الزمانُ بِهِما عِندَما قُتِلا، فذابَت نَفسِي عَليهما إلتِياعاً، وَبَكَيتُهما بُكاءً غزيراً مرّاً، حتى أُصبتُ بالعَمى.

وَكانَ بكائي على صَخرٍ، أخِي من أبي، أكْثَرَ وأغْزَرَ، لِما تَحلّى بِهِ مِن جَمالٍ، وشجاعةٍ، وكرمٍ، ووفاءٍ، وحِلمٍ، وعلوِ همَّةٍ، ولِما كان لي منه، في حياتِهِ، من محبَّةٍ خالصةٍ، وبذلِ مالٍ، ولأنَّه كان الأملَ الباقي لي بعدَ موتِ زوجي، وأخي وشقيقي معاوية، فضاعت بموتهِ كلُّ سعادةٍ في الحياةِ.

لَقَدْ رَثَيْتُ صخراً وَبَكَيْتُهُ، بما لم أرْثِ أو أبكِ به أولادي، الذين استشهدوا جميعاً في الحرب، لقد وقفَ صخرٌ إلى جانبي طيلةَ حياته، فلم أشعر، وهو حيٌّ، بمرارةِ الأرملةِ التي ماتَ عنها زوجُها، وحتَّى في حياةِ زوجي المقامر "رواحة"، وعندما تعرَّضتُ للحرمانِ المادي، قسم صخر ماله شطرين، وأعطاني خيارَهُما، لذلك فقد كنتُ على حقٍ عندما قلتُ فيه:

وماليَ لا أبكي على من لو أنَّهُ تقدَّم يومي قبلهُ لبكى ليا

وإن تُمسِ في قيسٍ وزيدٍ وعامرٍ وغسّانَ لم تَسمَع له الدَّهرَ لاحِيا

عُمرتُ طويلاً حتى بلغتُ الإسلام، فشرحَ لي صدري لهذا الدينِ الجديدِ، فإعتنقتُه مع أبنائي. وعندما نَشبت الحربُ بين المسلمين والفُرسِ، حَضضتُ أبنائي على الجهاد، وخوضِ معركةِ القادسيةِ سنة 638م، وعندما بلغني خبرُ استشهادهم هتفتُ قائلةً:

" الحمدُ للهِ الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مُستقرِّ الرَّحمةِ".

شاعريتي وشعري

 

كنتُ، في مطلع شبابي، وبداية أمري، أقولُ البيتَ أو البيتين أو الثلاثةَ من الشِّعرِ، حتى قُتلَ أخواي معاويةُ وصَخرٌ، فانفجرَ، في أعماقي، بركانُ الألمِ والشِّعرِ، فصورتُ في كلماتِه وجدانيَ المُلتهِبَ، وسجلتُ في حناياهُ عواطفي الصادقةَ.

لقد كتبتُ سبعين قصيدةً في رثاءِ معاويةَ وصَخرٍ، وهو أمرٌ لم يُعهد في شاعرٍ، ولم يتوافر لدى إنسان، ولكنَّها النَّفسُ الحزينةُ المكلومةُ التي فَقدت، بفقدِ الأخِ، كلَّ شيءٍ، وأظلمَ بفراقه الكونُ، فرُحتُ ألتفُّ بثوبِ الحُزنِ الأسودِ، وأجلسُ على قبرهما، وخاصةً قبرَ صخرٍ، زماناً طويلاً، أبكي وأرثي، حتى تقرحت مآقي عينيَّ.

وكانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، يستمعُ إلى شعري، ويستزيدُ إنشادَه قائلاً: هيهِ يا خُناس، ويومئُ بيده. وكان عليه السلام، يعتبرني أشعرَ الناس، ولم يوجه إليَّ اللومَ بسبب إستغراقي في الحزنِ، على الرَّغمِ من أنَّ الإسلامَ يوصي بالصبرِ.

وكنتُ موضعَ إعجابِ الشُّعراءِ جميعاً، وقد اعترفوا لي بالتقدُّمِ، وصُنفتُ ضمنَ الطبقةِ الثانيةِ في الشِّعرِ. وكان من المُعجبينَ بشعري، الشاعرُ الجاهليُّ الكبيرُ النابغةُ الذبيانيُّ الذي كان يقولُ، في أثناءِ حُكمه على الشعراء في سوق عُكاظٍ:

 لولا الأعشى لكنتِ أشعرَ شعراءِ الإنسِ والجنِّ.

وهناك نقطةٌ أحبُّ الإشارة إليها، وهي أنَّني قَصرتُ شعري، في معظمه، على غرضِ الرثاء، ولكنَّني برعتُ فيه، وأجدتُه إجادةً تامةً، حتى إلتصقَ هذا النوعُ من الشعر بي على نحوٍ خاصٍّ، وتفوقتُ به على معظمِ الشعراء الذين قالوا الشعرَ في كثيرٍ من الأغراضِ والفنونِ المختلفةِ.

ومن أشعاري في هذا الجانبِ الحزين:

*قولي في رثاءِ صخر:

 

أعينيّ جودا ولا تجمُدا        
        ألا تبكيانِ لصخرِ النّدى ؟ 
ألا تبكيانِ الجريءَ الجميلَ        
        ألا تبكيانِ الفَتى السيّدا؟ 
طويلَ النّجادِ رفيعَ العمادَ  سَادَ عَشيرَتَهُ أمْرَدا 
إذا القوْمُ مَدّوا بأيديهِمِ        
        إلى المَجدِ مدّ إلَيهِ يَدا

 

وَانَ ذكرَ المجدُ الفيتهُ           تَأزّرَ بالمَجدِ ثمّ ارْتَدَى

*وقولي في رثائه أيضاً:

 

ألا يا صَخْرُ إنْ أبكَيتَ عَيني
لقَدْ أضْحَكْتَني دَهْراً طَويلاً
بَكَيْتُكَ في نِساءٍ مُعْوِلاتٍ
و كنتُ أحقَّ منْ أُبدى العويلا
دَفَعْتُ بكَ الجَليلَ وأنتَ حَيٌّ
فمَنْ ذا يَدْفَعُ الخَطْبَ الجَليلا
إذا قَبُحَ البُكاءُ على قَتيلٍ
رأيْتُ بُكاءَكَ الحَسَنَ الجَميلا

 

*وقولي في رثائه أيضاً:

 

ألا ليت أمي لم تلدني سويةً
وكنتُ تراباً بين أيدي القوابل
وخرت علي الأرض السماءُ فطبقت
ومات جميعاً كلُ حافٍ وناعِلِ
غداة غدا ناع لصخر فراعني
وأورثني حزناً طويل البلابلِ

 

فأصبحتُ لا ألتذُّ بَعدك نعمةً

حياتي ولا أبكي لدعوةِ ثاكلِ

*وقولي في رثائه أيضاً:

 

يُؤرّقُني التّذَكّرُ حينَ أُمْسي
فأُصْبحُ قد بُليتُ بفرْطِ نُكْسِ
على صَخْرٍ، وأيُّ فتًى كصَخْرٍ
ليَوْمِ كَريهَة ٍ وطِعانِ حِلْسِ

 

 

فلمْ ارَ مثلهُ رزءًا لجنٍ
ولم أرَ مِثْلَهُ رُزْءاً لإنْسِ

 

*وقولي في رثائه أيضاً:

أعينيَّ جُودا بالدُّموعِ على صخرِ

على البطلِ المِقدام والسَّيِّدِ الغَمرِ

لِيبكِ عليه من سُليمٍ جماعةٌ

فقدْ كانَ بسَّاماً ومُختصرَ القِدرِ

 

نهايةُ رحلة العمر

قدرَ الله لي عمراُ طويلاً، إمتدَّ بي حتى إقتربتُ من التسعينَ، لقد ضحكَ ليَ الزمانُ في بداية رحلتي في هذه الحياة، فكنتُ في أُسرتي، صاحبةَ رأيٍ ومشورةٍ، والكلُّ يذكرُ كيف أنني رفضتُ الزَّواج من الشَّاعرِ دريدِ ابن الصَّمَّةِ، بعد أن إستشارني والدي بشأنهِ.

ولكنَّ الزمانَ الذي ضحك لي في البدايةِ، قلبَ لي ظهرَ المِجنِّ، وكشَّرَ عن أنيابهِ، فلم أُوفق في زواجي الأول من رواحةَ بنِ عبدِ العُزَّى، لأنه كانَ مُقامراً، كما أنَّ زوجي الثاني، الذي كانَ كريماً سخياًّ، لم يُطل عُمرهُ، لأنعمَ بالحياةِ إلى جانبه وتحت ظِلِّه.

ثمَّ توالت عليَّ المِحنُ والأحزانُ، فماتَ أخي معاويةُ، وتبعَهُ أخي صخرٌ الذي قصمَ موتهُ ظَهري، وقرَّحَ فقدهُ مآقي عينيَّ، لِما كان له من مكانةٍ عالية في قلبي، وعقلي، ونفسي. فارتديتُ ثوبَ الحِداد، وبكيتُ كثيراً، ووقفتُ على قبره طويلاً، وحرمتُ على نفسي مُتعَ الحياةِ، واستسغتُ الحُزنَ سلوكاً ومنهجَ  حياةٍ.

ولكنَّ الزمانَ لم يكتفِ بتلكَ السِّهامِ القاتلةِ، التي رماني بها، وإنَّما أتبعها بسهامٍ أُخرى أشدَّ وجعاً وألماً، عندما اختطفتُ يدُ المنونَ أبنائي كلَّهم في معركةِ القادسيةِ. فإستغرقتُ في الحزنِ الذي أحاطَ بي من كلِّ جانبٍ كإحاطةِ السوارِ في المِعصَمِ، وبقيتُ على هذا الحالِ، حتَّى وافتني المنيَّةُ حوالي سنة 664م، ولي من العُمرِ ما يُقاربُ التسعينَ عاماً.

 


       

تعليقات الزوار

 
 
 

محمد نافد عبد الرحمن - أبوغوش

محمد وقيس ومجد أبو غوش

لميس - أبوش

جنى أبو خطاب -اللقية

مكتبة جلجولية العامّة تزفُّ فرسانها على ضادنا في آب اللّهاب

 
   

مكتبة جلجولية العامّة تزفُّ فرسانها على...

   
 

هل تحب زيارة موقع الحياة للأطفال؟

نعم

ليس كثيرا

احب قراءة اي شيء

لا يهمني

 
     

صفحة البيت | عن الحياة للاطفال |سجل الزوار | شروط الاستخدام | اتصلوا بنا

Developed by ARASTAR